كريم نجيب الأغر
382
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - * المثل الثاني : قال المستورد القرشيّ : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « تقوم السّاعة والرّوم أكثر النّاس » ، فقال له عمرو : أبصر ما تقول ! ، قال : أقول ما سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : لئن قلت ذلك إنّ فيهم لخصالا أربعا : إنّهم لأحلم النّاس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ، وأوشكهم كرّة بعد فرّة ، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف ، وخامسة حسنة جميلة : وأمنعهم من ظلم الملوك . [ أخرجه مسلم 112 ] . في هذا الحديث لم يقل عمرو بن العاص من أول الأمر : إن فيهم لخصالا خمسا ، بل جعل العدد مجموعتين ، لاختلاف نوعيهما ، فالمجموعة الأولى تنسجم مع بعضها ، إذ هي في الصفات الإيجابية الوادعة ، التي ينبغي أن تصنّف تحت بند واحد ، بخلاف الخامسة التي هي ثورية ، ومخالفة للصفات الأربع في الوداعة والسكون ، فلهذا الاعتبار فرّق عمرو بين الخمس ، فجعلها أربعا وواحدة كما اعتاد العرب أن يفعلوا . المثل الثالث : عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب استعمل أبا هريرة على البحرين . . . ( فقال عمر بن الخطاب لأبي هريرة رضي اللّه عنهما ) : أتكره العمل ، وقد طلب العمل من كان خيرا منك ، يوسف ؟ ، قال : إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ، وأنا أبو هريرة بن أميمة ، أخشى ثلاثا ، واثنتين ، قال عمر : أفلا قلت خمسا ؟ ، قال : لا ، أخشى أن أقول بغير علم ، وأقضي بغير حكم ، ويضرب ظهري ، وينتزع مالي ، ويشتم عرضي . [ أخرجه عبد الرزاق ح 113 ] . نجد هنا أن الثنتين اللتين يخشاهما أبو هريرة رضي اللّه عنه هما : القول بغير علم ، والقضاء بغير حكم ، وهما متعلقتان به هو ، وبمنصب القضاء ، وما يلزم له من العلم والحكم ، وأما الثلاث التي يخشاها ، وعبّر عنها بالشتم والضرب وانتزاع المال ، فتتعلّق بشدّة عمر رضي اللّه عنه في محاسبة الولاة ، وما يؤول إليه القاضي حين يحيد عن الحق ويستحق العقوبة . وهذا الحديث يختلف عن الأحاديث الأخرى في أن الدلالة فيه على تقسيم العدد العام إلى عددين اثنين قطعية ، دون شك ، من خلال رفض أبي هريرة لطلب عمر رضي اللّه عنهما عن الالتزام بالعدد العام ، ولفصله المجموعة ككل إلى مجموعتين منفردتين للاعتبارين المختلفين . ولهذا سكت عمر رضي اللّه عنه ، وفي السكوت إقرار من صحابي عربي جليل ، لصحابي عربي جليل آخر ، بهذا الإنكار ، وبهذا الأسلوب المتّبع عند العرب . وبما أن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب ، فكان من الطبيعي أن ينهج القرآن أسلوبهم في إبراز الأحكام والصور المختلفة ، حتّى يتمكنوا من استيعابها جيّدا ، فما كان إلا أن جاء في القرآن الكريم عدّة أمثال لهذه الصيغة ، كما في الآية : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً [ الكهف : 25 ] ، والآية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ [ العنكبوت : 14 ] ، وغيرهما ، إلى جانب الآية المعتبرة في هذا المقام . وتفصيل موضوع الحمل هو أن الآية رقم 234 من سورة البقرة ذكرت مدّتين : أولاها متوسّط مدّة إحساس الأم بحركة جنينها بدء من وقت تخصيب البويضة ، وهي أربعة أشهر ( التي يشعر ، عند وفائها ، خمسون بالمائة من النساء الحوامل بحركة جنينهن ) ، وثانيها المدّة الزمنية التي يجب أن تضاف - عشرة أيام - على متوسط المدّة المذكورة آنفا لكي نحصل على المدّة الغالبة لإحساس الأم بحركة -